خصصت شركة آي بي إم اليوم 5 مليارات دولار لبناء أنظمة ذكاء اصطناعي لا تكتشف الثغرات البرمجية فحسب، بل تُصلحها تلقائياً قبل استغلالها. الخطوة تضع حجر الأساس لسباق جديد في الأمن السيبراني، محوره الانتقال من التعامل مع الثغرات بعد وقوعها إلى استباقها وإغلاقها في الزمن الحقيقي. الإعلان جاء بعد ساعات من نشر أنثروبيك أبحاثاً تُثبت أن نموذجها الأحدث تفوّق على كل أدوات التحليل التقليدية في رصد أخطاء الشيفرة المصدرية.
ما هو حجم الاستثمار الذي أعلنته آي بي إم بالضبط؟
ستضخ آي بي إم المبلغ على مدى 3 سنوات، وفق ما أكدته مصادر مطلعة على الخطة لـ Dark Reading. لن يقتصر الإنفاق على البحث والتطوير، بل سيمتد إلى توظيف أكثر من 2000 مهندس متخصص في تعلم الآلة والأمن، وبناء مراكز بيانات هجينة مُهيأة لتشغيل نماذج إصلاح الأكواد. يُتوقع أن تتكامل المنصة الجديدة مع خدمات السحابة الهجينة للشركة، ومع حلول DevSecOps التي تستخدمها المؤسسات المالية والحكومية.
- قيمة الاستثمار: 5 مليارات دولار (2026) على 3 سنوات.
- الهدف: بناء منصة إصلاح تلقائي للثغرات باسم Watson Code Remediate.
- التوظيف: أكثر من 2000 مهندس وباحث في مجال الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.
- الجدول الزمني: إصدار تجريبي في الربع الرابع من 2026.
كيف اكتشف ذكاء أنثروبيك الثغرات البرمجية؟
أظهر نموذج Claude Sonnet 5 من أنثروبيك، وفقاً لتقرير صدر في أوائل 2026، قدرة على اكتشاف 40% من الثغرات التي فشلت أدوات التحليل الساكن التقليدية في رصدها. جرى الاختبار على مستودع يضم 3.2 مليون سطر برمجي مفتوح المصدر، حيث رصد النموذج أخطاء في إدارة الذاكرة وحالات تسريب بيانات لم تكتشفها فاحصات الأمان المعتادة. النتيجة أعادت تعريف فكرة "صياد الثغرات" من الاعتماد على القواعد الجامدة إلى نماذج لغوية تفهم السياق البرمجي.
يتميز Claude Sonnet 5 بقدرة على تحليل سلاسل الاعتماد بين المكتبات البرمجية، مما يسمح له بتحديد الثغرات المنطقية التي لا تظهر إلا عبر تفاعل مكونات متعددة. هذا النوع من الاكتشافات كان حتى العام الماضي حكراً على خبراء أمنيين يستغرقون أسابيع في التدقيق اليدوي. المهتمون بالتفاصيل التقنية يمكنهم الاطلاع على الفروقات بين النماذج المختلفة عبر دليلنا ما هي نماذج Fable و Sonnet من أنثروبيك؟ وكيف تختار الأنسب؟، أو متابعة التطورات الأخيرة في مقال ما هو Claude Sonnet 5 وكيف يغير طريقة تفكير الذكاء الاصطناعي.
لماذا تستثمر آي بي إم 5 مليارات دولار في الإصلاح التلقائي؟
رئيس الشركة، آرفيند كريشنا، أوضح المنطق الكامن وراء الرهان بعبارة واحدة: الاكتشاف بلا إصلاح فوري يشبه كاميرا مراقبة لا تتصل بجهاز إنذار. ففي 2025، بلغ متوسط الوقت اللازم لعلاج ثغرة حرجة 206 أيام، وفق تقرير معهد بونيمون، وهي مدة تمنح المخترقين متسعاً كافياً لشن هجمات مدمرة.
قال كريشنا: "لا يكفي أن نكتشف الثغرات، يجب أن نصلحها قبل أن يستغلها المهاجمون. استثماراتنا البالغة 5 مليارات دولار تهدف إلى جعل البرمجيات قادرة على إصلاح نفسها."
من جهة ثانية، يأتي الإعلان في لحظة تخضع فيها نفقات الذكاء الاصطناعي الضخمة للتدقيق من المستثمرين، كما رصدت CNBC قبيل موسم الأرباح الأخير. آي بي إم تريد أن تُظهر عائداً ملموساً لا مجرد وعود تقنية. الرهان على إصلاح الأكواد يمس ميزانيات الأمن التي تنمو بوتيرة أسرع من أي بند آخر في تقنية المعلومات. قيمة سوق الأمن السيبراني المدعوم بالذكاء الاصطناعي بلغت 20 مليار دولار في 2024، وتشير تقديرات Gartner الصادرة في 2025 إلى أنها ستتضاعف بحلول 2028.
ما هي التبعات على سوق الأمن السيبراني؟
الخطوة تدفع شركات الحوسبة السحابية الكبرى إلى مراجعة استراتيجياتها. مايكروسوفت تختبر بالفعل مساعداً أمنياً ضمن منصة Azure يستطيع اقتراح تصحيحات تلقائية، وغوغل تدمج قدرات مشابهة في منصة Mandiant. الفارق أن آي بي إم تضع المبلغ الأكبر على طاولة الرهان منذ بداية السباق، وتستهدف قطاعات حساسة مثل الطاقة والتمويل حيث تتحمل تكلفة الثغرة الواحدة ملايين الدولارات.
المنافسة قد لا تبقى ثنائية بين عمالقة السحابة. فوكسكون، المورّد الرئيسي لإنفيديا، ألمحت قبل أيام لوكالة رويترز إلى شراكة مرتقبة مع OpenAI في مجال الأمن المؤتمت، وهو ما يُنذر بتحول سلاسل توريد العتاد إلى لاعب مؤثر في معادلة التصحيح الذاتي. في هذا السياق، سوق لم يعد ينتظر الإدراجات التقليدية، كما ناقشنا في مقال السوق لم يعد ينتظر الإدراج: محفظة بينانس تحول كل حدث عالمي إلى أصل مالي عبر 'إيفنت رش'، يعكس شهية الأسواق لكل ما يختصر الزمن ويحوِّل التهديد إلى فرصة.
ماذا يعني هذا للمطورين والشركات؟
بالنسبة لفرق التطوير، يعني الاستثمار الجديد أن دورة التصحيح التي تستغرق أياماً أو أسابيع قد تنكمش إلى دقائق. شركة ServiceNow كانت قد كشفت قبل أسابيع عن قوة عاملة رقمية كاملة، مما يشير إلى أن إصلاح الأكواد المؤتمت سيصبح جزءاً من أتمتة أوسع تمتد من مكتب المساعدة إلى إدارة الشبكات. هذا التحول يفرض على المطورين مهارات جديدة، أبرزها فهم كيفية تدقيق التعديلات التي تقترحها النماذج وليس كتابتها من الصفر.
التأثير المباشر سيطال البنية التحتية الحيوية أيضاً. غوغل بدأت في يوليو 2026 تشييد مركز بيانات ذكاء اصطناعي بقيمة 4 مليارات دولار في أركنساس، مما يوسع السعة الحاسوبية اللازمة لتشغيل نماذج مثل تلك التي تبنيها آي بي إم. ومع تسارع وتيرة إنشاء هذه المراكز، ستنخفض كلفة تشغيل أنظمة الإصلاح التلقائي، مما يسمح للشركات المتوسطة باعتمادها دون تكاليف باهظة.
المشهد يتجه نحو نموذج تكون فيه البرمجيات قادرة على اكتشاف جراحها وتضميدها دون تدخل بشري. تبقى الخطوة القادمة مرتقبة في مؤتمر Black Hat 2026 المقرر عقده في أغسطس، حيث ستكشف آي بي إم النقاب عن أول إصدار تجريبي من منصة Watson Code Remediate أمام مجتمع الأمن.

