قبل ثلاثة وثلاثين عاماً، راهنت آي بي إم على خدمات تقنية المعلومات في لحظة كانت الشركة فيها على حافة الانهيار، متخلية عن هوسها القديم بالأجهزة. يومها بدا الرهان غريباً، لكنه أنقذ العملاق الأزرق من مصير شركات تقادمت بهندستها. اليوم، يعيد التاريخ نفسه بصيغة الكم: الاستحواذ على مختبرات HRL ليس مجرد إضافة مختبر بحثي، بل محاولة لتكرار ذلك التحول الجريء، ولكن هذه المرة الرقاقات ليست سيليكونية بل مصنوعة من غزل الإلكترونات. وإذا كان رهان الخدمات قد استغرق عقداً ليؤتي ثماره، فإن رهان الكم قد لا يمنح آي بي إم رفاهية الزمن نفسه.
لماذا يُذكّرنا استحواذ آي بي إم على HRL برهانها التاريخي على الخدمات؟
في التسعينيات، أدركت آي بي إم أن مستقبلها ليس في الصناديق التي تبيعها، بل في العقول التي تشغلها. تحولت من بيع العتاد إلى تقديم الحلول، وأنشأت أكبر وحدة استشارات تقنية في العالم. النمط نفسه يتكرر مع الكم: لا تكتفي الشركة ببناء معالجات فائقة التوصيل، بل تسعى إلى امتلاك معمارية ثانية مغايرة كلياً. تقنية غزل الإلكترون التي تجلبها HRL تسمح ببناء دوائر كمومية أصغر حجماً وأقل استهلاكاً للطاقة، وهو ما قد يمثل المسار البديل إذا اصطدمت الرقاقات فائقة التوصيل بجدار القابلية للتوسع. آي بي إم لا تشتري تكنولوجيا فحسب، بل تشتري خياراً استراتيجياً يحميها من فشل رهانها الأساسي.
المستثمر المخضرم يعرف أن هذه العقلية الدفاعية هي ما أبقى آي بي إم حية فيما تعثر آخرون. لكن المأزق هذه المرة أن المنافسين لا ينتظرون، وغوغل ومايكروسوفت وآيون كيو يركضون في المسار نفسه، والذكاء الاصطناعي يسرق الأضواء والتمويل.
ما الذي تغيّر في استراتيجية آي بي إم الكمومية بعد صفقة HRL؟
قبل الصفقة، كانت خارطة طريق الكم في آي بي إم تقوم على أنظمة فائقة التوصيل مع مسار وحيد نحو بناء حاسوب كمومي متسامح مع الأخطاء بحلول نهاية العقد. بعد HRL، تمتلك الشركة مسارين متوازيين. التفاصيل المعلنة توضح ثلاثة محاور رئيسية:
تقنية غزل الإلكترون التي تطورها HRL تقدم بنية أصغر حجماً قد تناسب التطبيقات الصناعية المتنقلة، بعكس الأنظمة الضخمة المبرَّدة التي تحتاجها الحواسيب فائقة التوصيل.
خطة الاستثمار البالغة 10 مليارات دولار (أُعلنت سابقاً وأكدها الرئيس التنفيذي أرفيند كريشنا في مقابلة بلومبرغ يوليو 2026) أصبحت الآن مرتبطة بأصل ملموس يجمع البحث الأساسي بالجاهزية التجارية.
التعاون القائم مع بوينغ وجنرال موتورز لن يتوقف، بل سيتسع ليشمل مواد الطيران والاستشعار الكمومي المتقدم، مما يعطي الصفقة بعداً تسويقياً فورياً يتجاوز المختبر.
الرئيس التنفيذي لآي بي إم كان واضحاً في حديثه للمستثمرين بعد موجة البيع الحادة في الأسواق: الإنفاق على الكم ليس ترفاً، بل ضرورة لبناء الجيل التالي من البنية التحتية للحوسبة، تماماً كما كانت الحواسيب المركزية في الستينات.
هل يشتري هذا الاستحواذ قفزة تقنية أم يشتري وقتاً حتى يثبت المفهوم؟
الجواب ليس أحدهما دون الآخر. بضم HRL، تحصل آي بي إم على فريق من العلماء قضى سنوات في حل معضلة التماسك الكمومي، وهي العقبة الأكبر أمام أي حاسوب عملي. لكن الأهم من التكنولوجيا نفسها أن الاستحواذ يمنح الإدارة قصة تستطيع سردها للشارع، خصوصاً بعد أن سجلت أسهم الكم انهياراً بنسبة 35% في بعض الأسماء الواعدة خلال الشهور الماضية، وسط تصحيح عنيف في القطاع. يبدو أن المستثمرين بدأوا يميزون بين الضجيج والتطبيق، وآي بي إم تدرك أنها تحتاج إلى ما هو أعمق من وعود المختبرات.
رهان آي بي إم على الكم ليس رفاهية تقنية، بل محاولة لتأمين مكان في اقتصاد ما بعد السيليكون، حيث تكون الحوسبة الفائقة سلعة استراتيجية لا تقل أهمية عن النفط اليوم.
الفرق الجوهري بين رهان التسعينيات ورهان اليوم أن الخدمات كانت سوقاً ناضجة يمكن قياسها بربع سنوي. أما سوق الحوسبة الكمومية التجارية فتوقعاتها لعام 2026 لا تزال طموحة على الورق لكنها ناعمة على الأرض. تقديرات 2024 كانت تشير إلى أن السوق قد يصل إلى 65 مليار دولار بحلول 2030، لكن من الصعب العثور على إيرادات كمومية حقيقية في ميزانيات اللاعبين الكبار الآن.
كيف يقرأ المستثمر الذكي هذا الاستحواذ وسط فوضى الذكاء الاصطناعي؟
خلال مكالمة الأرباح الأخيرة، اضطر كريشنا لطمأنة المحللين بأن طفرة الذكاء الاصطناعي لن تلتهم أعمال البرمجيات التقليدية لآي بي إم. وفي الوقت نفسه، خفضت الشركة توقعاتها للعام بأكمله. هذا السياق يجعل الاستحواذ على HRL يبدو للوهلة الأولى كأنه شراء أمل في زمن الضبابية. لكن القراءة المتأنية تقول شيئاً آخر: آي بي إم تراهن على أن الكم سيكون الرد على أسئلة لا يستطيع الذكاء الاصطناعي التقليدي الإجابة عنها، مثل نمذجة المواد الجديدة أو حل مسائل اللوجستيات المعقدة على نحو يستحيل على أضخم مراكز البيانات اليوم.
الخطر الحقيقي الذي يجب أن يشغل بال المستثمر ليس في فشل التكنولوجيا، بل في قدرة الشركة على ترجمة البحث العميق إلى اشتراكات وخدمات. فحتى أنجح تقنيات الكم لن تتحول تلقائياً إلى أرباح تشغيلية. وهنا تحديداً تصبح تجربة آي بي إم في تسويق الحواسيب المركزية والخدمات السحابية الهجينة هي الميزة الخفية. نفس الهوة التي نراها بين ضجيج الذكاء الاصطناعي ومساهمته الضئيلة في الناتج المحلي ستظهر مع الكم أيضاً: التبني أبطأ مما تتوقعه العناوين، والإيرادات تتطلب صبراً لا تملكه معظم المحافظ.
ما الذي يعنيه هذا لك
إذا كنت تملك أسهماً في آي بي إم، فهذا الاستحواذ ليس إشارة بيع ولا شراء، بل إشارة مراقبة. تحرك السهم على المدى القريب سيبقى رهينة لأرباح البرمجيات والسحابة، لا للكموميات. لكن على مدى ثلاث إلى خمس سنوات، إذا بدأت الشركة في إصدار عقود خدمات كمومية مع شركات صناعية مماثلة لبوينغ وجنرال موتورز، فستكون تلك هي اللحظة التي يتحول فيها السرد القصصي إلى أساس استثماري.
أما إذا كنت تدير نشاطاً صناعياً أو لوجستياً، فالدرس مختلف. لا تنتظر حتى يصبح الكم تجارياً بالكامل. ابدأ بتجريب النماذج الهجينة: حوسبة كلاسيكية مع مسرعات كمومية، في مجالات مثل تحسين سلاسل الإمداد أو محاكاة المواد. المتبنون الأوائل هم من سيجنون الميزة قبل أن يرتفع سعر الاشتراك.
صفقة HRL لن تغير ميزان القوى غداً، لكنها ترسم خريطة ميدان المعركة القادمة. من يفهم هذه الخريطة مبكراً، يمتلك قراره قبل أن يصبح السير عكس التيار مكلفاً.

