في عام 1958، خصص الكونغرس الأميركي 800 مليون دولار آنذاك لإنشاء وكالة DARPA رداً على صدمة سبوتنيك. لم تكن الخطوة مجرد ضخ أموال في الصواريخ، بل تأسيساً لنموذج اقتصادي جديد تقوده الدولة لاختراق العوائق التكنولوجية. بعد 67 عاماً، يكرر التاريخ نفسه مع أمر تنفيذي وقّعه الرئيس ترامب لتسريع أبحاث الحوسبة الكمومية، لكن هذه المرة الميدان مالي قبل أن يكون فيزيائياً.
كيف يعيد أمر ترامب التنفيذي إنتاج نموذج DARPA في عصر الكمومية؟
نموذج DARPA نجح في الماضي لأنه ربط العقود الدفاعية بالابتكار المدني بوساطة شركات مثل IBM وHoneywell، فولد الإنترنت ونظام GPS. اليوم، الأمر التنفيذي الجديد يوجه وزارة الدفاع ووزارة الطاقة لتصنيف الحوسبة الكمومية ضمن أولويات الأمن القومي، مع تمويل فدرالي يتجاوز 900 مليون دولار سنوياً. الفارق الجوهري أن الأسواق المالية تتفاعل الآن بسرعة صادمة، فترفع تقييمات شركات بالكاد تحقق إيراداتٍ تُغطي تكاليفها. هذا المزيج بين المال الساخن والبحث طويل الأمد يخلق بيئة تشبه سباق الفضاء مع فارق واحد: المستثمر الصغير أصبح هو وقود الإقلاع.
ما هي الأرقام الحقيقية وراء قفزة أسهم الحوسبة الكمومية؟
سارعت الأسواق إلى تسعير الأمر التنفيذي بوصفه “موافقة رسمية على المستقبل”، لكن الأرقام تحكي قصة أخرى:
- ارتفاع سهم IonQ بنسبة 41% خلال أربع وعشرين ساعة، وRigetti Computing بنسبة 37%، وD-Wave Quantum بنسبة 29%، فيما قفز مؤشر أسهم الكمومية الصغيرة 32% دفعة واحدة.
- قيمة IonQ السوقية تجاوزت 5 مليارات دولار، رغم أن إيراداتها في الربع الأخير لم تتجاوز 6 ملايين دولار، أي بمضاعف سعري يتجاوز 200 ضعفاً.
- الأمر التنفيذي يسمح بعقود سرية للبنتاغون، ومنح جديدة تصل إلى 50 مليون دولار لشركات مثل Quantinuum وAtom Computing، مما يعزز التدفقات النقدية لكنه لا يسرّع من جاهزية التكنولوجيا.
- 83% من ملكية بعض هذه الأسهم تتركز في أيدي صناديق استثمارية ومؤسسات، ما يعني أن السيولة التي يضخها المتداول الأفراد تصب في جيوب المستثمرين الأوائل.
هل يتجه سوق الكمومية نحو لحظة “انفجار الفقاعة” في غضون 6 أشهر؟
التاريخ يعيد نفسه بصيغ مختلفة. في فقاعة الإنترنت عام 2000، انهارت 90% من الشركات التي لم تكن تحقق أرباحاً، بينما نجت شركات البنية التحتية مثل Amazon وCisco. الحوسبة الكمومية اليوم تقف عند المفترق نفسه، خاصة بعد أن شككت مجلة Nature في ادعاءات مايكروسوفت حول شريحة الكم الطوبولوجية، مما يؤكد أن الاختراقات الحقيقية لا تزال بعيدة. ما يحدث الآن يشبه ضخ أموال طائلة في شركات لا تزال تحاول إثبات أن البت الكمومي الواحد يمكن أن يعمل بلا أخطاء قاتلة. هذا لا يعني أن التكنولوجيا بلا مستقبل، بل إن الجدول الزمني للاكتشاف العلمي لا يتوافق مع جنون أرباح الربع القادم.
المستفيد الحقيقي من الأمر التنفيذي ليس المتداول الذي يشتري السهم اليوم، بل الجهات التي ستحصل على عقود بحثية حكومية لا تنقطع لعقد كامل، وعمالقة الحوسبة الكلاسيكية الذين سيبيعون البُنى التحتية اللازمة لتشغيل الحواسيب الكمومية.
ما الذي يختلف هذه المرة عن سباق التكنولوجيا المدعوم حكومياً في الستينات؟
في الستينات، كانت التكنولوجيا تحتكرها الحكومات ولم تكن أسهم الشركات الناشئة متاحة للتداول اليومي. اليوم، يمكن لأي شخص شراء IonQ بنقرة واحدة، مما يحول كل تطوير علمي إلى أصل مضاربي. هذه الظاهرة تذكر تماماً بما حللناه في مقال محفظة بينانس تحول كل حدث عالمي إلى أصل مالي: السوق لم يعد ينتظر النتائج، بل يبني منتجات مالية على التوقعات. هذا التحول يغذي الفقاعة ويجعل الانهيار أكثر حدة لأنه سيحدث في البورصة أولاً، ثم يمتد إلى المختبرات عبر تقلص التمويل عند أول خيبة أمل.
الاختلاف الثاني هو أن البنية التحتية السحابية ونماذج الذكاء الاصطناعي أصبحت شرطاً أساسياً لتشغيل المحاكاة الكمومية، مما يعني أن عمالقة مثل NVIDIA وAmazon لن يكونوا مجرد متفرجين. وعلى غرار ما رأيناه في سباق الذكاء الاصطناعي مع أنثروبيك، الرابح الخفي ليس صاحب الخوارزمية بل مالك المنصة، وهو ما فصلناه في مقال تريليون دولار قد لا يذهب لأنثروبيك. في الكمومية، سيتكرر المشهد نفسه: العقود الحكومية ستمر عبر شركات الدفاع الكبرى ومزودي الخدمات السحابية، وليس عبر الشركات الخالصة التي لا تملك منتجاً تجارياً.
ما الذي يعنيه هذا لك: كيف تستعد لموجة الكمومية دون أن تغرق؟
التوقيت هو كل شيء. المؤشر الحقيقي ليس سعر السهم الآن، بل موعد الإعلان عن أول عقد دفاعي تجاري حقيقي بقيمة تتجاوز 100 مليون دولار. حتى ذلك الحين، ينبغي التعامل مع أسهم الكمومية بسياسة الـ1%: لا تخصص أكثر من هذه النسبة من محفظتك لشركات لا تزال في مرحلة إثبات المفهوم. راقب الشركات التي تبيع “المجارف والمعدات”: أنظمة التبريد الفائقة، برمجيات تصحيح الأخطاء الكمومية، ومحاكيات الحوسبة الكمومية السحابية. الرهان الأذكى الآن ليس على من سيصنع الحاسوب الكمومي، بل على من سيزوده بالطاقة والبيانات حين يخرج للنور. وتذكر أن الفقاعات لا تنفجر عندما تظهر المشكلة الأولى، بل عندما يدرك السوق أن الأرباح التي كان يحلم بها ما زالت تفصلها عشرة أعوام من الأبحاث.
في النهاية، اللحظة الفارقة لن تكون عند توقيع أمر تنفيذي جديد ولا عند قفزة سهم بنسبة 40%. اللحظة الفارقة هي حين تعلن شركة مثل NVIDIA أو Lockheed Martin عن دمج حقيقي للحوسبة الكمومية في منتج تجاري قابل للقياس. حتى ذلك الحين، ستكون الضوضاء أعلى من الإشارة الحقيقية، وقاعدة “من يشتري عند سماع الخبر يبيع عند حدوثه” ستثبت مرة أخرى أنها قانون مالي صلب.

